الكويت في الخرائط التاريخية

الوجود الحضري قديم في منطقة الكويت، فهي حلقة وصل برية وبحرية بين أجزاء العالم القديم. فقد كانت كاظمة محطة للقوافل القادمة من بلاد فارس وما بين النهرين إلى شرقي الجزيرة العربية وداخلها، كما كانت جزيرة فيلكا محطة للسفن التجارية التي تصل ما بين رأس الخليج وبقية الأجزاء الجنوبية منه في طريقها إلى عمان والهند وشرقي إفريقيا. وقد كان لهاتين المنطقتين شهرتهما الكبيرة قبل ظهور الكويت دولة محددة السيادة في أوائل القرن السابع عشر الميلادي، وإذا ما تركنا جانباً ذكر جزيرة فيلكا التي عرفت بآثارها اليونانية والإسلامية على حد سواء، وانتقلنا إلى الظهير البري الذي تنتمي إليه تلك الجزيرة لوجدنا أن ذلك الظهير قد تعاقبت عليه ثلاث تسميات أساسية هي كاظمة والقرين والكويت على التوالي.

فقد عرفت هذه المنطقة أولاً باسم كاظمة إلى أواخر القرن السابع عشر، ثم أطلق عليها اسم الكويت أو القرين منذ أوائل القرن الثامن عشر، غير أن اسم القرين ظل هو الأكثر وروداً في الخرائط إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث استقرت تسمية (الكويت) على النحو الذي هي عليه الآن.

اكتسبت كاظمة في العصر الجاهلي شهرة خاصة في أشعار العرب وأخبارها. وفي القرن الثالث الهجري ذكر الحسن الأصفهاني كاظمة في كتابه «بلاد العرب» فقال: «وكاظمة على ساحل البحر، وبها حصنٌ فيه سلاح قد أعد للعدو، وبها تُجارٌ ودور مبنية، وعامتهم تميم».
 وقد أشارت المصادر العربية القديمة إلى أن كاظمة كانت قصبة أو عاصمة للإقليم المسمى بهذا الاسم، وتتسع مساحتها لتتضمن منطقة تمتد من الأجزاء الشمالية الغربية لجون الكويت إلى مدينة الجهراء الحالية، كما أن من الثابت أن كاظمة تطلق على معظم المنطقة التي تمثلها الكويت الحالية، ويؤكد، ذلك قول ياقوت الحموي الذي اعتبر الساحل الممتد من منطقة البدع إلى الحدود الجنوبية لدولة الكويت الآن، والذي يسميه أهل البحر «بر العدان».. اعتبر ذلك كله من أسياف كاظمة، وذلك هو قوله في «معجم البلدان»: «وعَدان بالفتح وآخره نون موضع في ديار بني تميم بسيف كاظمة»، فالاسم إذن كان يُطلق على أجزاء واسعة من منطقة الكويت، وفي نفس الوقت تسمى به القصبة أو العاصمة الواقعة عند الطرف الشمالي الغربي لجون الكويت

وقد ظهرت كاظمة على الخرائط الملاحية العالمية وفي الأطالس المختلفة قبل اسم «القرين» أو الكويت.
ويرى سلوت في كتابه «أصول الكويت» أن خارطة نيكولاس سانسون (N. Sanson) المنشورة عام 1652م هي أول خريطة يظهر فيها اسم كاظمة، ولم يكن موقعها محدداً تماماً إذ رسمت بعيداً عن الشاطئ وهناك حد سياسي واضح في هذه الخارطة يفصل بينها وبين البصرة، ثم ظهرت طبعة أخرى من خارطة سانسون في عام 1654م صحح فيها موقع كاظمة إذ اقترب من الساحل، وأول خارطة هولندية وضعت فيها كاظمة ميناء رئيسياً على الساحل رسمها الكارتوغرافي إسحاق تيريون (Isaak Tirion) عام 1732م، وظهرت بعد ذلك في عدد من الخرائط منها خريطة الأخوين أوتنز (R. and J. Ottens) وخرائط الناشر الألماني هومان (J. B. Homann) وكلها صدرت عام 1737م.

وفي خرائط الكارتوغرافي الفرنسي بون (Bonne) الذي نشر مجموعة من الخرائط عن الخليج بين عامي 1760م و1780م ظهرت فيها كاظمة ويقابلها جزيرة فيلكا. ومع أواخر القرن السابع عشر بدأ اسم كاظمة يفقد أهميته كميناء عرفت به هذه المنطقة في القرون السابقة. وبدأ يحل محله موقع آخر قريب منه هو القرين، وهو الاسم الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنشأة دولة الكويت الحديثة ولم يحدد المؤرخون على وجه الدقة تاريخ ظهور هذه المدينة، إلا أنه من المؤكد أن لنشأتها صلة بهجرة العتوب الذين توافدوا عليها في أواخر القرن السابع عشر، ومع بداية القرن الثامن عشرتحولت تلك القبائل إلى مجتمع حضري له كيان سياسي واضح، ويؤيد ذلك ما جاء في رحلة السيد مرتضى بن علوان الذي زار الكويت عام 1710م فقد قال: «دخلنا بلداً يقال لها الكويت بالتصغير، بلد لا بأس بها تشابه الحسا إلا أنها دونها ولكن بعمارتها وأبراجها تشابهها»، ثم قال بعد ذلك: «وهذه الكويت المذكورة اسمها القرين ومشينا قبل وصولنا إليها على كنار البحر ثلاثة أيام والمراكب مسايرتنا، والمبينة على حدود البلدة من غير فاصلة. وهذه البلدة يأتيها سائر الحبوب من البحر حنطة وغيرها، لأن أرضها لا تقبل الزراعة، حتى ما فيها شيء من النخيل ولا غير شجر أصلاً وأسعارها أرخص من الحسا.

ويرى السيد واردن (Warden) في مقال له عن العتوب أن أول رئيس لآل صباح كان يتولى الحكم عام 1716م وإذا صح ما ذكره يوسف القناعي وعبدالعزيز الرشيد عن تاريخ وفاة الشيخ محمد بن فيروز (1135هـ/ 1722م) الذي تولى القضاء في عهد صباح فان القرائن جميعاً تؤكد أن بداية ظهور شخصية الكويت السياسية تحت حكم آل صباح، لا بد أن تكون في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. وهذا الحكم يستدعي مراجعة البحث في هذا الموضوع وعدم التسليم بما ذكره أبو حاكمة من أن أول حاكم للكويت هو صباح بن جابر الذي تولى الحكم فيها عام 1752م .

وإذا ما انتقلنا إلى بحثنا الأساسي وهو ظهور اسم القرين على الخرائط، فإن أول خريطة ورد فيها اسم القرين هي خريطة كيلن (Van Keulen) عام 1753م، وظل هذا الاسم يتردد في الخرائط – مقروناً أحياناً باسم الكويت – إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث بدأ هذا الاسم يختفي تدريجياً ليحل محله اسم الكويت في نهاية هذا القرن. إلا أن ذلك لا يعني أن القرين هي الاسم الأقدم للكويت، فقد سبق أن أشرنا إلى نص مرتضى بن علوان الذي يوضح أن الكويت اسمها القرين وكان ذلك في عام 1710م كما أن اسم الكويت ورد في خريطة كارستن نيبور (C. Niebuhr) الذي بدأ رحلاته في الجزيرة العربية عام 1761م، وفي خريطته الواردة في كتابه عن تلك الرحلات ذكر اسم الكويت مقروناً بالقرين، وأشار إلى أن مدينة القرين يطلق عليها أهلها اسم الكويت.

وفي هذا العمل الذي بين أيدينا محاولة للنظر في وضع الكويت في الخرائط التاريخية من خلال المصادر التاريخيةة المعتمدة، وكُتب الأدب والتاريخ والتراث بعامة التي وجدنا بها نصوصاً وإشارات تتصل بالموضوع لتكون النظرة الشاملة – ما استطعنا – المدخل الذي نتبناه في قراءة وتفسير ما عرضناه من خرائط أو ما توصلنا إليه من معلومات وتوجهات والسبيل المتوازن في التدقيق والترجيح بين وجهات النظر المختلفة حول هذه الفترة المبكرة من حياة الكويت

وقد توجهنا في هذا الكتاب إلى السير وفقاً للتسلسل الزمني الذي وردت فيه تلك الخرائط، حريصين على أن يرافق كل خارطة قراءة مفسرة لما جاء فيها من بيانات ومعلومات تيسيراً على الباحثين والقارئين ولتحقيق أقصى استفادة ممكنة. وفي ختام هذا العرض نود أن نشير إلى أن هذا العمل قد أفدنا فيه من الجهود السابقة التي تناولت هذا الموضوع بالبحث والدراسة وقد سعينا – قدر ما وفقنا الله – إلى استقصاء الحقيقة باذلين كل جهد ممكن ليكون هذا العمل إضافة لما كُِتب ونُشر عن هذه الفترة من حياة الكويت وتاريخها

وأخذاً بهذا النهج رجعنا إلى دراسة سلوت عن أصول الكويت (B. J. Slot: The Origins of Kuwait)، وهو جهد علمي يستحق كل تقدير لما تميز به من استقصاء وافٍ، ودقة علمية، وموضوعية متزنة، كما أفدنا من مجموعة الخرائط التي توصلنا إليها ولم ترد في كتاب سلوت، ونشير هنا بمزيد من الامتنان والشكر إلى الأستاذ عادل العبد المغني الذي تكرم فأهدى المركز صوراً لمجموعة من الخرائط المتعلقة بالموضوع والتي استعنا ببعضها. ونذكر بالتقدير والعرفان الأستاذ سليمان الصالح الذي زودنا بنسخة من الدليل العراقي لعام 1936م الذي استفدنا كثيراً من المعلومات والخرائط الواردة فيه. داعين الله أن يكون هذا الجهد بداية لجهود متواصلة متتالية تقوم بحق الكويت علينا، وتؤكد للأجيال والتاريخ الكيان المتميز لهذه الرقعة من الوطن العربي، التي كانت ولا زالت عوناً لجيرانها وللعالم العربي والإسلامي، لا تنقطع دعوتها إلى السلام والتعاون مع الجميع.

من الخرائط الرائعة التي أبدعها الأخوان أوتنز، وتبدو الحدود بين منطقة الكويت والدولة العثمانية واضحة تماماً. أما كاظمة فتظهر على الساحل، وفي مقابلها جزيرة كُتب عليها ميناء كاظمة. وتضمنت الخريطة أسماء عدد من المواضع القريبة من كاظمة والتي لم نستطع التعرف عليها. كما تضمنت النهر الذي تكرر رسمه في خرائط القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي يشير إلى وجود نهر ممتد من البصرة إلى الأحساء. وهذا النهر التخيلي نشأ عن تقرير أسيء فهمه لرحالة شهير هو جاسبارو بالبي (V. G. Balbi) في عام 1580م. فقد ذكر بالبي أن الطريق التجاري من البصرة يأخذ طريقين (الأول تسلكه السفن الكبيرة إلى الهند ويسمى نهر هرمز – كذا – أما الثاني فهو الذي تسلكه السفن الصغيرة المبحرة إلى البحرين والأحساء). ومن الواضح أن صواب العبارة هو أن هناك طريقين تجاريين من البصرة، أولهما تستخدمه السفن الصغيرة التي تمر في شط العرب ولا تتجاوز منطقة الأحساء والبحرين. وثانيهما تستخدمه السفن الكبيرة التي تصل إلى الهند عبر مضيق هرمز. وقد أحسن سلوت في بحث ودراسة هذا الموضوع. (Slot 36)

 يُلاحظ على خريطة بالجريف أن الكويت قد مُيزت بلون مستقل تماماً عن الوحدات السياسية الأخرى في المنطقة، والمتمثلة بالدولة العثمانية التي تمتد شمالاً ونجد جنوباً. وتبدو حدود الكويت الشمالية مشتملة على وربة وبوبيان والجانب الغربي الجنوبي من شط العرب، ويضم ذلك أم قصر ومعظم الفاو، ولا توجد في هذه الخريطة أي إطلالة للعراق على البحر. والجدير بالذكر أن بساتين النخيل التي كان يملكها أبناء الكويت في الفاو وما جاورها في تلك الفترة تمثل مورداً اقتصادياً هاماً للكويت، وقد ساعد اهتمام الكويتيين بالزراعة في تلك المنطقة على ازدهار محاصيل التمور ووفرتها بصورة تفوق ما كانت عليه بساتين العراقيين، فضلاً عن قدرة الكويتيين على التسويق الجيد إلى الهند وشرقي إفريقيا، وذلك لخبرتهم في البحر وفنونه وحبهم للمغامرة التي تتطلبها روح التجارة. وتعكس تلك الأملاك وامتداد أراضيها صورة من صور السيادة القديمة لأبناء الكويت على منطقة الفاو وما حولها. وهو ما تُعبِر عنه هذه الخريطة ومجموعة أخرى من الخرائط السابقة واللاحقة

خريطة الجزيرة العربية رسمها كارل ريتر (D. Ritter)، وهو عالم ألماني يعتبر أحد مؤسسي علم الجغرافية الحديث. والخريطة مأخوذة من كتابه علم الأرض (End Kunde) الذي نشر في بضعة عشر مجلداً اعتباراً من عام 1818م وقد أعاد نشرها كيبرت  (R. Kiepert) عام 1867م

   نُشرت هذه الخريطة ضمن كتاب علم الأرض لريتر، وتعتبر بذلك من أوليات الخرائط في القرن التاسع عشر التي حددت الكويت تحديداً واضحاً يؤكد شخصيتها وكيانها السياسي، بل إنها تشكل وجوداً متميزاً
في الجزء الشمالي الشرقي من شبه الجزيرة العربية

ومن الواضح في هذه الخريطة دخول الفاو والسواحل الشمالية الغربية للخليج العربي ضمن دائرة الحدود الكويتية. وذكرت في هذه الخريطة كاظمة في موقع مدينة الجهراء، وموقع مكان المدينة بالقرب من راس الزور وسمّاه «الكويت أو القرين». وقد تابع ريتر عدد من رسامي الخرائط في هذا الاتجاه.
خريطة نادرة تظهر الكويت بحدود واضحة تمتد شمالاً لتشتمل على الفاو والأجزاء الجنوبية من شط العرب وكل الساحل الجنوبي للعراق بامتداد يزيد على عشرين ميلاً في بعض المناطق وقد رُسمت الجزر المواجهة للساحل الكويتي بنفس لون الكويت

ويأتي جانب الندرة في هذه الخريطة أنها من أوائل الخرائط التي ظهرت في القرن التاسع عشر والتي تحمل اسم مدينة الكويت بدلاً من «القرين». كما أن الدولة تحمل اسم «جمهورية الكويت» وهذا يرجح عِلم واضع الخريطة بأسلوب الحكم في الكويت، وربما توصل إلى ذلك بأن سأل الناس في هذه المنطقة عن كيفية تعيين الحاكم، فقالوا بأننا الذين اتفقنا عليه، ثم سأل عن أسلوب الحكم فعرف أنه شورى بينهم، فسماها «جمهورية الكويت

ومن الملفت للنظر والذي يؤكد تميز شخصية الكويت واستقلاليتها، أنها الكيان السياسي الوحيد المحدد بحدود واضحة في الجزيرة العربية كلها، كما إنها مُيزت بلون خاص يختلف عن ألوان الكيانات السياسية المجاورة وخصوصاً (تركيا)

X
ومن الملفت للنظر والذي يؤكد تميز شخصية الكويت واستقلاليتها، أنها الكيان السياسي الوحيد المحدد بحدود واضحة في الجزيرة العربية كلها، كما إنها مُيزت بلون خاص يختلف عن ألوان الكيانات السياسية المجاورة وخصوصاً (تركيا)

الوجود الحضري قديم في منطقة الكويت، فهي حلقة وصل برية وبحرية بين أجزاء العالم القديم. فقد كانت كاظمة محطة للقوافل القادمة من بلاد فارس وما بين النهرين إلى شرقي الجزيرة العربية وداخلها، كما كانت جزيرة فيلكا محطة للسفن التجارية التي تصل ما بين رأس الخليج وبقية الأجزاء الجنوبية منه في طريقها إلى عمان والهند وشرقي إفريقيا. وقد كان لهاتين المنطقتين شهرتهما الكبيرة قبل ظهور الكويت دولة محددة السيادة في أوائل القرن السابع عشر الميلادي، وإذا ما تركنا جانباً ذكر جزيرة فيلكا التي عرفت بآثارها اليونانية والإسلامية على حد سواء، وانتقلنا إلى الظهير البري الذي تنتمي إليه تلك الجزيرة لوجدنا أن ذلك الظهير قد تعاقبت عليه ثلاث تسميات أساسية هي كاظمة والقرين والكويت على التوالي.

فقد عرفت هذه المنطقة أولاً باسم كاظمة إلى أواخر القرن السابع عشر، ثم أطلق عليها اسم الكويت أو القرين منذ أوائل القرن الثامن عشر، غير أن اسم القرين ظل هو الأكثر وروداً في الخرائط إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث استقرت تسمية (الكويت) على النحو الذي هي عليه الآن.

اكتسبت كاظمة في العصر الجاهلي شهرة خاصة في أشعار العرب وأخبارها. وفي القرن الثالث الهجري ذكر الحسن الأصفهاني كاظمة في كتابه «بلاد العرب» فقال: «وكاظمة على ساحل البحر، وبها حصنٌ فيه سلاح قد أعد للعدو، وبها تُجارٌ ودور مبنية، وعامتهم تميم».
 وقد أشارت المصادر العربية القديمة إلى أن كاظمة كانت قصبة أو عاصمة للإقليم المسمى بهذا الاسم، وتتسع مساحتها لتتضمن منطقة تمتد من الأجزاء الشمالية الغربية لجون الكويت إلى مدينة الجهراء الحالية، كما أن من الثابت أن كاظمة تطلق على معظم المنطقة التي تمثلها الكويت الحالية، ويؤكد، ذلك قول ياقوت الحموي الذي اعتبر الساحل الممتد من منطقة البدع إلى الحدود الجنوبية لدولة الكويت الآن، والذي يسميه أهل البحر «بر العدان».. اعتبر ذلك كله من أسياف كاظمة، وذلك هو قوله في «معجم البلدان»: «وعَدان بالفتح وآخره نون موضع في ديار بني تميم بسيف كاظمة»، فالاسم إذن كان يُطلق على أجزاء واسعة من منطقة الكويت، وفي نفس الوقت تسمى به القصبة أو العاصمة الواقعة عند الطرف الشمالي الغربي لجون الكويت

وقد ظهرت كاظمة على الخرائط الملاحية العالمية وفي الأطالس المختلفة قبل اسم «القرين» أو الكويت.
ويرى سلوت في كتابه «أصول الكويت» أن خارطة نيكولاس سانسون (N. Sanson) المنشورة عام 1652م هي أول خريطة يظهر فيها اسم كاظمة، ولم يكن موقعها محدداً تماماً إذ رسمت بعيداً عن الشاطئ وهناك حد سياسي واضح في هذه الخارطة يفصل بينها وبين البصرة، ثم ظهرت طبعة أخرى من خارطة سانسون في عام 1654م صحح فيها موقع كاظمة إذ اقترب من الساحل، وأول خارطة هولندية وضعت فيها كاظمة ميناء رئيسياً على الساحل رسمها الكارتوغرافي إسحاق تيريون (Isaak Tirion) عام 1732م، وظهرت بعد ذلك في عدد من الخرائط منها خريطة الأخوين أوتنز (R. and J. Ottens) وخرائط الناشر الألماني هومان (J. B. Homann) وكلها صدرت عام 1737م.

وفي خرائط الكارتوغرافي الفرنسي بون (Bonne) الذي نشر مجموعة من الخرائط عن الخليج بين عامي 1760م و1780م ظهرت فيها كاظمة ويقابلها جزيرة فيلكا. ومع أواخر القرن السابع عشر بدأ اسم كاظمة يفقد أهميته كميناء عرفت به هذه المنطقة في القرون السابقة. وبدأ يحل محله موقع آخر قريب منه هو القرين، وهو الاسم الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنشأة دولة الكويت الحديثة ولم يحدد المؤرخون على وجه الدقة تاريخ ظهور هذه المدينة، إلا أنه من المؤكد أن لنشأتها صلة بهجرة العتوب الذين توافدوا عليها في أواخر القرن السابع عشر، ومع بداية القرن الثامن عشرتحولت تلك القبائل إلى مجتمع حضري له كيان سياسي واضح، ويؤيد ذلك ما جاء في رحلة السيد مرتضى بن علوان الذي زار الكويت عام 1710م فقد قال: «دخلنا بلداً يقال لها الكويت بالتصغير، بلد لا بأس بها تشابه الحسا إلا أنها دونها ولكن بعمارتها وأبراجها تشابهها»، ثم قال بعد ذلك: «وهذه الكويت المذكورة اسمها القرين ومشينا قبل وصولنا إليها على كنار البحر ثلاثة أيام والمراكب مسايرتنا، والمبينة على حدود البلدة من غير فاصلة. وهذه البلدة يأتيها سائر الحبوب من البحر حنطة وغيرها، لأن أرضها لا تقبل الزراعة، حتى ما فيها شيء من النخيل ولا غير شجر أصلاً وأسعارها أرخص من الحسا.

ويرى السيد واردن (Warden) في مقال له عن العتوب أن أول رئيس لآل صباح كان يتولى الحكم عام 1716م وإذا صح ما ذكره يوسف القناعي وعبدالعزيز الرشيد عن تاريخ وفاة الشيخ محمد بن فيروز (1135هـ/ 1722م) الذي تولى القضاء في عهد صباح فان القرائن جميعاً تؤكد أن بداية ظهور شخصية الكويت السياسية تحت حكم آل صباح، لا بد أن تكون في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. وهذا الحكم يستدعي مراجعة البحث في هذا الموضوع وعدم التسليم بما ذكره أبو حاكمة من أن أول حاكم للكويت هو صباح بن جابر الذي تولى الحكم فيها عام 1752م .

وإذا ما انتقلنا إلى بحثنا الأساسي وهو ظهور اسم القرين على الخرائط، فإن أول خريطة ورد فيها اسم القرين هي خريطة كيلن (Van Keulen) عام 1753م، وظل هذا الاسم يتردد في الخرائط – مقروناً أحياناً باسم الكويت – إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث بدأ هذا الاسم يختفي تدريجياً ليحل محله اسم الكويت في نهاية هذا القرن. إلا أن ذلك لا يعني أن القرين هي الاسم الأقدم للكويت، فقد سبق أن أشرنا إلى نص مرتضى بن علوان الذي يوضح أن الكويت اسمها القرين وكان ذلك في عام 1710م كما أن اسم الكويت ورد في خريطة كارستن نيبور (C. Niebuhr) الذي بدأ رحلاته في الجزيرة العربية عام 1761م، وفي خريطته الواردة في كتابه عن تلك الرحلات ذكر اسم الكويت مقروناً بالقرين، وأشار إلى أن مدينة القرين يطلق عليها أهلها اسم الكويت.

وفي هذا العمل الذي بين أيدينا محاولة للنظر في وضع الكويت في الخرائط التاريخية من خلال المصادر التاريخيةة المعتمدة، وكُتب الأدب والتاريخ والتراث بعامة التي وجدنا بها نصوصاً وإشارات تتصل بالموضوع لتكون النظرة الشاملة – ما استطعنا – المدخل الذي نتبناه في قراءة وتفسير ما عرضناه من خرائط أو ما توصلنا إليه من معلومات وتوجهات والسبيل المتوازن في التدقيق والترجيح بين وجهات النظر المختلفة حول هذه الفترة المبكرة من حياة الكويت

وقد توجهنا في هذا الكتاب إلى السير وفقاً للتسلسل الزمني الذي وردت فيه تلك الخرائط، حريصين على أن يرافق كل خارطة قراءة مفسرة لما جاء فيها من بيانات ومعلومات تيسيراً على الباحثين والقارئين ولتحقيق أقصى استفادة ممكنة. وفي ختام هذا العرض نود أن نشير إلى أن هذا العمل قد أفدنا فيه من الجهود السابقة التي تناولت هذا الموضوع بالبحث والدراسة وقد سعينا – قدر ما وفقنا الله – إلى استقصاء الحقيقة باذلين كل جهد ممكن ليكون هذا العمل إضافة لما كُِتب ونُشر عن هذه الفترة من حياة الكويت وتاريخها

وأخذاً بهذا النهج رجعنا إلى دراسة سلوت عن أصول الكويت (B. J. Slot: The Origins of Kuwait)، وهو جهد علمي يستحق كل تقدير لما تميز به من استقصاء وافٍ، ودقة علمية، وموضوعية متزنة، كما أفدنا من مجموعة الخرائط التي توصلنا إليها ولم ترد في كتاب سلوت، ونشير هنا بمزيد من الامتنان والشكر إلى الأستاذ عادل العبد المغني الذي تكرم فأهدى المركز صوراً لمجموعة من الخرائط المتعلقة بالموضوع والتي استعنا ببعضها. ونذكر بالتقدير والعرفان الأستاذ سليمان الصالح الذي زودنا بنسخة من الدليل العراقي لعام 1936م الذي استفدنا كثيراً من المعلومات والخرائط الواردة فيه. داعين الله أن يكون هذا الجهد بداية لجهود متواصلة متتالية تقوم بحق الكويت علينا، وتؤكد للأجيال والتاريخ الكيان المتميز لهذه الرقعة من الوطن العربي، التي كانت ولا زالت عوناً لجيرانها وللعالم العربي والإسلامي، لا تنقطع دعوتها إلى السلام والتعاون مع الجميع.

من الخرائط الرائعة التي أبدعها الأخوان أوتنز، وتبدو الحدود بين منطقة الكويت والدولة العثمانية واضحة تماماً. أما كاظمة فتظهر على الساحل، وفي مقابلها جزيرة كُتب عليها ميناء كاظمة. وتضمنت الخريطة أسماء عدد من المواضع القريبة من كاظمة والتي لم نستطع التعرف عليها. كما تضمنت النهر الذي تكرر رسمه في خرائط القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي يشير إلى وجود نهر ممتد من البصرة إلى الأحساء. وهذا النهر التخيلي نشأ عن تقرير أسيء فهمه لرحالة شهير هو جاسبارو بالبي (V. G. Balbi) في عام 1580م. فقد ذكر بالبي أن الطريق التجاري من البصرة يأخذ طريقين (الأول تسلكه السفن الكبيرة إلى الهند ويسمى نهر هرمز – كذا – أما الثاني فهو الذي تسلكه السفن الصغيرة المبحرة إلى البحرين والأحساء). ومن الواضح أن صواب العبارة هو أن هناك طريقين تجاريين من البصرة، أولهما تستخدمه السفن الصغيرة التي تمر في شط العرب ولا تتجاوز منطقة الأحساء والبحرين. وثانيهما تستخدمه السفن الكبيرة التي تصل إلى الهند عبر مضيق هرمز. وقد أحسن سلوت في بحث ودراسة هذا الموضوع. (Slot 36)

 يُلاحظ على خريطة بالجريف أن الكويت قد مُيزت بلون مستقل تماماً عن الوحدات السياسية الأخرى في المنطقة، والمتمثلة بالدولة العثمانية التي تمتد شمالاً ونجد جنوباً. وتبدو حدود الكويت الشمالية مشتملة على وربة وبوبيان والجانب الغربي الجنوبي من شط العرب، ويضم ذلك أم قصر ومعظم الفاو، ولا توجد في هذه الخريطة أي إطلالة للعراق على البحر. والجدير بالذكر أن بساتين النخيل التي كان يملكها أبناء الكويت في الفاو وما جاورها في تلك الفترة تمثل مورداً اقتصادياً هاماً للكويت، وقد ساعد اهتمام الكويتيين بالزراعة في تلك المنطقة على ازدهار محاصيل التمور ووفرتها بصورة تفوق ما كانت عليه بساتين العراقيين، فضلاً عن قدرة الكويتيين على التسويق الجيد إلى الهند وشرقي إفريقيا، وذلك لخبرتهم في البحر وفنونه وحبهم للمغامرة التي تتطلبها روح التجارة. وتعكس تلك الأملاك وامتداد أراضيها صورة من صور السيادة القديمة لأبناء الكويت على منطقة الفاو وما حولها. وهو ما تُعبِر عنه هذه الخريطة ومجموعة أخرى من الخرائط السابقة واللاحقة

خريطة الجزيرة العربية رسمها كارل ريتر (D. Ritter)، وهو عالم ألماني يعتبر أحد مؤسسي علم الجغرافية الحديث. والخريطة مأخوذة من كتابه علم الأرض (End Kunde) الذي نشر في بضعة عشر مجلداً اعتباراً من عام 1818م وقد أعاد نشرها كيبرت  (R. Kiepert) عام 1867م

   نُشرت هذه الخريطة ضمن كتاب علم الأرض لريتر، وتعتبر بذلك من أوليات الخرائط في القرن التاسع عشر التي حددت الكويت تحديداً واضحاً يؤكد شخصيتها وكيانها السياسي، بل إنها تشكل وجوداً متميزاً
في الجزء الشمالي الشرقي من شبه الجزيرة العربية

ومن الواضح في هذه الخريطة دخول الفاو والسواحل الشمالية الغربية للخليج العربي ضمن دائرة الحدود الكويتية. وذكرت في هذه الخريطة كاظمة في موقع مدينة الجهراء، وموقع مكان المدينة بالقرب من راس الزور وسمّاه «الكويت أو القرين». وقد تابع ريتر عدد من رسامي الخرائط في هذا الاتجاه.
خريطة نادرة تظهر الكويت بحدود واضحة تمتد شمالاً لتشتمل على الفاو والأجزاء الجنوبية من شط العرب وكل الساحل الجنوبي للعراق بامتداد يزيد على عشرين ميلاً في بعض المناطق وقد رُسمت الجزر المواجهة للساحل الكويتي بنفس لون الكويت

ويأتي جانب الندرة في هذه الخريطة أنها من أوائل الخرائط التي ظهرت في القرن التاسع عشر والتي تحمل اسم مدينة الكويت بدلاً من «القرين». كما أن الدولة تحمل اسم «جمهورية الكويت» وهذا يرجح عِلم واضع الخريطة بأسلوب الحكم في الكويت، وربما توصل إلى ذلك بأن سأل الناس في هذه المنطقة عن كيفية تعيين الحاكم، فقالوا بأننا الذين اتفقنا عليه، ثم سأل عن أسلوب الحكم فعرف أنه شورى بينهم، فسماها «جمهورية الكويت

ومن الملفت للنظر والذي يؤكد تميز شخصية الكويت واستقلاليتها، أنها الكيان السياسي الوحيد المحدد بحدود واضحة في الجزيرة العربية كلها، كما إنها مُيزت بلون خاص يختلف عن ألوان الكيانات السياسية المجاورة وخصوصاً (تركيا)

X
ومن الملفت للنظر والذي يؤكد تميز شخصية الكويت واستقلاليتها، أنها الكيان السياسي الوحيد المحدد بحدود واضحة في الجزيرة العربية كلها، كما إنها مُيزت بلون خاص يختلف عن ألوان الكيانات السياسية المجاورة وخصوصاً (تركيا)