تاريخ الكويت

يعود الوجود الحضري في منطقة الكويت إلى أكثر من أربعة آلاف سنة كما تشير بقايا الآثار الحضارية التي عثر عليها في المنطقة- ويرجع ذلك إلى موقع الكويت الفريد الذي جعلها حلقة وصل برية وبحرية بين أجزاء العالم القديم- ومركز تجمع وتوزيع لحضارات مختلفة- وموقعا استراتيجيا مهما يتحكم في الممر إلى تلك الحضارات والأسواق- فقد كانت كاظمة (وهو أحد الأسماء القديمة للمنطقة) محطة للقوافل القادمة من بلاد فارس وما بين النهرين إلى شرقي الجزيرة وداخلها- وكانت ـ ولمدة طويلة ـ الرابط التجاري بين عالم المحيط الهندي وبلاد الشام وأوروبا- فعندها نقطة التقاء أحد أطول طرق التجارة في العالم القديم وأهمها. كما كانت فيلكا بما تحتويه من آبار ومياه عذبة محطة للسفن التجارية التي تصل بين المواني الواقعة عند رأس الخليج وبقية الأجزاء الجنوبية منه في طريقها إلى عُمان والهند وشرقي إفريقيا.

وتقع دولة الكويت في الطرف الشمالي الشرقي من شبه الجزيرة العربية- يحدها شرقا الخليج العربي- وشمالا العراق- ومن الجهتين الغربية والجنوبية المملكة العربية السعودية. وتبلغ مساحة الكويت نحو17.818 ألف كيلومتر مربع وعدد سكانها نحو403و213و2 مليون نسمة بينهم 774و880 ألف مواطن والباقي من جنسيات عربية وغير عربية وذلك حسب احصاء عام 2005م. ويتكون سطح الكويت من سهول رملية منبسطة- وتلال قليلة متفرقة- غير أن أبرز مظهر طبيعي يتمثل في وادي الباطن الواقع في الشمال الغربي من البلاد والذي يمثل وسطه الحدود الكويتية العراقية.

وللكويت عدد من الجزر أكبرهاجزيرة بوبيانوإلى شمالها جزيرة وربة- وفي مدخل جون الكويت تقع جزيرة فيلكا ذات الشهرة التاريخية- وبجوارها تقع جزيرتا مسكانوعوهة . وهناك جزر صغيرة أخرى عند الساحل الجنوبي للبلاد هي «كبر» و«قاروه» و«أم المرادم».

وقد عُرفت هذه المنطقة أولا باسم (كاظمة) إلى أوائل القرن السابع عشر- وكان ميناؤها الذي يحمل الاسم نفسه يقع في الجزء الشمالي الغربي من جون الكويت.ثم انتقل المركز الحضري المذكور إلى جنوب الجون حيث عُرف باسم القرين ثم الكويت.

وتشير الوثائق والدلالات التاريخية إلى أن نشأة مدينة الكويت كانت عام 1613م- حينما بدأ توافد مجموعة الأسر والقبائل إلى هذه المنطقة مهاجرين من نجد مدركين ببصيرة ثاقبة أهمية هذا الموقع ومميزاته المكانية.

وقد تحولت القبائل التي نزلت بمنطقة الكويت إلى مجتمع حضري- له كيان سياسي واضح يتميز بالاستقرار والازدهار-يشهد له الرحالون الذين زاروا المنطقة- ومنهممرتضى بن علوانفي عام 1709م- كما تشير وثائق الأرشيف البريطاني إلى أن الحكم كان لآل صباح في عام 1716م وهو أمر يشير إلى أن ظهور هذا المجتمع يمتد لفترة سابقة. استقر فيها المجتمع الكويتي- وانطلقت نشاطاته في البر والبحر- وبدت الحاجة ملحة إلى قيادة يرجع إليها الناس في أمورهم- وتمتلك الشرعية والقدرة على تأمين وحماية مجتمعهم ومصالحهم وتمثيلهم لدى الجهات والمجتمعات التي تحيط بهم- فعهدوا بالرئاسة إلى رجل فيهم منآل صباحرأوه متميزا بالخير وأقربهم إلى الحق- وغدا الحكم في هذه الأسرة يتوارثه الأرشد الأكبر منهم إلى هذا اليوم.

نشاطات الكويت الاقتصادية قبل النفط:

تميز النشاط الاقتصادي لهذا المجتمع في بواكيره ونشأته بالتنوع فجمع بين النشاط البري والنشاط البحري- وقد غاص أبناء هذا المجتمع في أعماق البحار بحثا عن اللآلئ- وجابوا البحار في سفن صنعوها بأيديهم- وقاموا بنقل البضائع والتجارة بين موانى الخليج وإفريقيا وساحل الهند ووصلوا إلى كولومبو والبنغال وجزر الهند الشرقية- وقد سجل المؤرخون وقباطنة البحارالأجانب إشادتهم بهذا النشاط البحري كما أشادوا بمتانة السفن الكويتية وكثرتها- فيذكر «كنبهاوزن» المقيم المسؤول لشركة الهند الشرقية الهولندية في عام 1756م أن الكويت في تلك الفترة المبكرة كانت تمتلك 300 سفينة يعمل عليها 4000 رجل في صيد اللؤلؤ بخلاف سفن صيد الأسماك وسفن التجارة- وأن الكويت قوة بحرية نامية. ويمكن أن ندرك المعدل المتسارع لهذا النمو مما ذكره الرحالة الألماني «كارستن نيبور Carsten Neibuhr بعد ثماني سنــــوات من ذلــك التاريــخ في حديــثه عن رحـلاته إلى الخليج وشبه الجزيرة العربية بين عامي 1764 و1765 حيث وصف ما حققته الكويت من ازدهار- وأن أبناءها أصبحوا يمتلكون أكثر من ثمانمائة سفينة. ويعرب «فاليارس» (1938) صاحب كتاب «أبناء السندباد» ويعني بهم الكويتيين- عن إعجابه بنشاط الكويت البحري- ويذكر: «أن واجهة الكويت البحرية من أبدع ما تقع عليه العين- وهي تمتد إلى مسافة ميلين- مكونة ورشة كبرى لصنع سفن النقل الشراعية- وتزدحم السفن على طول هذه الواجهة في حركة لا تهدأ- وعمل لا ينقطع ترداده» ويصف لنا مسلك البحارة الكويتيين على السفينة ذاكرا: «أنهم يرونها وطنا رغم قسوة العمل وخشونته- ويتسابقون إلى إنجاز أشق الأعمال ركضا في طاعة ورضا ومحبة ليل نهار- وهو نهج لم أره على أي سفينة أخرى إلا في مسلك بحارة الكويت. يقطعون عشرة آلاف ميل بسفنهم وسط العديد من المخاطر دون جلبة أو تذمر- إنهم بحارة إلى النخاع ورجال لا يعرفون الزيف».

ورغم السلطة المطلقة غير المحدودة التي تمنحها التقاليد البحرية للنوخذة (القبطان)- فإن روايات التاريخ وشهادات البحارة تطلعنا على أن النوخذة الكويتي بعامة- كان مثلا في التمسك بالعدل والأمانة- لا يفرط في فلس واحد من حق البحارة أو السفينة أو التاجر الذي ائتمنه عليها- وكان يتعامل مع البحارة بروح الأب الوالد ويعطي القدوة من نفسه- فانعكس ذلك على مجتمع السفينة بهجة تتردد فيها الأغاني التي يصدح بها البحارة- وتعاونا صادقا وبذلا لا حدود له- ونجاحا للرحلة وعائداتها.

وكان الشق الآخر من نشاط مجتمع الكويت في بواكير نشأته يتمثل في النشاط البري الذي سارت به القوافل الضخمة بما تحمله من تجارة ومسافرين إلى دمشق وحلب في الشمال- وكانت القافلة تضم كما ذكر لنا الطبيب الإنجليزي «إدوارد إيفز» عام 1758م في تقريره ـ حيث كان يزمع السفر مع إحدى هذه القوافل ـ خمسة آلاف جمل وألف رجل يقودونها- الأمر الذي يوضح حجم هذا النشاط التجاري البري- كما يوضح مقدار النفوذ السياسي الذي يحظى به حاكم الكويت في داخل الجزيرة العربية وقدرته على تأمين الطريق لتلك القافلة الكبيرة لتصل إلى هدفها النهائي.

وقد كان لهذه الأنشطة الاقتصادية في البر والبحر قبل ظهور النفط آثارها العميقة التي انعكست على مجتمع الكويت في مختلف جوانبه- وصاغت توجهه في رحلة بنائه- فقد أصبح التلاحم والتكافل والتعاون والعمل المشترك واحترام الكلمة والوفاء بها منهجا للحياة- وعلمتهم الشدائد أن الشورى هي الضمان والأساس لوحدة المجتمع وانطلاقه- وأتاحت لهم الرحلات في البر والبحر انفتاحا على مجتمعات وأفكار جديدة ومختلفة- فاكتسبوا مرونة وتفتحا ذهنيا واستعدادا لتقبل كل جديد مفيد-وأصبحوا أكثر قدرة على مواجهة الظروف الطارئة- وتعلموا من المشكلات والمخاطرأن يكونوا واقعيين في معالجة أمورهم وممارسة أعمالهم- فقلَّ بينهم التعصب والتحزب- واتسم مسلكهم الديني باليسر والسماحة.

الكويت في مواجهة صراع القوى العالمية في الخليج:

وقد واجه مجتمع الكويت في نشأته وعلى مدى تاريخه الذي ينوف على ثلاثة قرون أطماعا وصراعا لقوى كبرى نتيجة لنشاطاته النامية وازدهاره وظهوره كقوة مؤثرة في محيطه- ولموقعه الاستراتيجي في الخليج العربي الذي أصبح في هذه الفترة جاذبا للأطماع- وبالتالي مثيرا للصراعات بين القوى الراغبة في السيطرة على خطوط المواصلات العالمية التي تمثل الكويت حلقة وصل كبرى بين أجزائها.

وقد نجحت الكويت في الحفاظ على طابعها ووجودها كيانا حضاريا متميزا ذا طبيعة مدنية بحكم الدور التجاري البحري لأبنائه- بينما غلب على الكيانات السياسية المجاورة نمط اجتماعي واقتصادي مختلف تراوح بين النمط الإقطاعي والنمط البدوي الذي لم ينتقل إلى مرحلة المجتمع المستقر.

وقد واجه هذا الكيان الاقتصادي المتميز الذي تمثله الكويت قوى برية كبرى محيطة به كالدولة العثمانية في الشمال الغربي- وقوى بحرية كبرى موجودة في الخليج: البرتغاليون فالهولنديون ثم البريطانيون- كما كان للألمان والروس مصالحهم الخاصة فيه. وقد فرض ذلك على الكويت توجها التزم به حكامها وشعبها- وهو اتباع سياسة من التوازن تؤدي إلى الحفاظ على استقلالها وتجنب محاولات الدخول في نطاقات التبعية والهيمنة مع أي من القوى الكبرى- ويفسر لنا ذلك كثيرا من جوانب العلاقات الكويتية سواء مع الدولة العثمانية أومع سواها.

علاقة الكويت بالدولة العثمانية:

وقد قاومت الكويت كل محاولات الاحتواء وفرض التبعية من جانب الدولة العثمانية التي هيمنت على معظم المشرق العربي- وإن حرصت على دعم واستمرار العلاقة الإسلامية العامة لدولة الخلافة- وهي علاقة دينية لا تمس مصالح الكويت ولا استقلالها- ولا يترتب عليها لولاة الدولة العثمانية في العراق أي حقوق سياسية في الكويت. فلم تقدم الكويت أي نوع من الولاء للولاة العثمانيين في البصرة أو غيرها- واعتمدت على نفسها في صد هجمات القبائل عليها- ولم تقبل تسليم من لجؤوا إليها من الثائرين على الدولة العثمانية- ورحبت الكويت برغبة الوكالة البريطانية التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية في الانتقال إليها بعد خلافها مع السلطة العثمانية في البصرة- وبقيت في الكويت من عام 1793م إلى 1795م- ورفضت أن يمر خط برلين الحديدي بأرضها رغم ضغط الألمان- ورغم المباركة والمشاركة العثمانية لإقامته- ولم تقبل ـ وهذه دلالة حاسمة على استقلالها ـ أي ولاية عثمانية على سياستها الخارجية- فعقدت المعاهدات التي تحقق مصالحها كمعاهدة 1899 م مع بريطانيا. وظل الحكم منذ نشأة الكويت وعلى استمرار تاريخها في أسرة الصباح التي اختارها أهل الكويت دون تدخل أو ولاية من أي جهة خارجية- فظل القرار الكويتي مستقلا ينطلق من الرؤية الوطنية ومصالحها.

حدود الكويت مع جيرانها:

وإذا تساءلنا عن صورة حدود الكويت مع جيرانها منذ أن تميز كيانها الحضري والسياسي واستقر في القرن السابع عشر فإننا نجد الجواب شديد الوضوح في الأعمال الكارتوجرافية التي نشرت عن الجزيرة العربية ومنطقة الكويت- والتي رسمها علماء مشهورون ينتمون إلى بلدان مختلفة خلال تلك القرون الثلاثة- وهي أعمال تاريخية نشرت قبل أن يثار أي ادعاء أو نزاع حول حدود الكويت- ومن هذه الخرائطخريطة الأخوين «أوتنز» التي تعود إلى أوائل القرن الثامن عشر- ثمخريطة «كارل ريتر» العالم الجغرافي الألماني الشهير والتي أعدها عام 1818م- وخريطة «بالجريف» الرحالة الإنجليزي 1862م. وتظهر حدود الكويت مع جيرانها وبخاصة الحدود الشمالية في هذه الخرائط على نحو مستقر ومتكرر يكاد يكون متطابقا ويزداد وضوحا ودقة مع تطور وارتقاء الأعمال الكارتوجرافية في القرن التاسع عشر. وتماثل خطوط الحدود التي نشاهدها في هذه الخرائط إلى حد كبير الوضع الحالي لحدود الكويت التي وردت في الاتفاقيات التي وقعتها العراق .

وفي بداية القرن العشرين حينما أخذت الدول العربية في الاستقلال حرصت الدول الجديدة على إعلان حدودها مع جيرانها- ومن بينهذة الدول «العراق» التي تبادلت المذكرات حول ذلك مع الكويت- وأسفر ذلك عن اعتراف تفصيلي متبادل بشأن الحدود في عام 1932م- وقد جرى تأكيد هذا التحديد والوصف للحدود الكويتية العراقية في اتفاقية لاحقة تمت بين الكويت والعراق في عام 1963م.

وهذه الحدود التي اعترفت بها العراق مرتين قبل العدوان العراقي على الكويت عام 1990م هي الحدود ذاتها التي انتهت إليها اللجنة الدولية لترسيم الحدود بين الكويت والعراق التي شكلتها هيئة الأمم المتحدة بعد تحرير الكويت من العدوان العراقي- واعتمد تقريرها النهائي مجلس الأمن الدولي فيقراره 833 في مايو 1993م- وهي الحدود نفسها التي اعترفت بها العراق أخيرا للمرة الثالثة فيشهر نوفمبر 1994م.

ولم تضف هذه الحدود أرضاً جديدة للكويت على حساب العراق- بل رسمت الحقائق المستقرة على أرض الواقع- وأتاحت للعراق الوصول إلى موانيه الستة بحرية كاملة- ومن خلال واجهة بحرية وممرات مائية متصلة تزيد على 300 كيلومتر- ومنحت العراق في سفوان وخور الزبير أكثر مما طالب به.

الشورى والديمقراطية أساس نظام الحكم في الكويت:

اتسمت العلاقة بين الشعب الكويتي وحكامه على مر التاريخ بطبيعة خاصة لاحظ المؤرخون المحليون والأجانب تميزها واختلافها عن الكيانات المحيطة بها فصباح الأول بن جابر المتوفى سنة 1743م ـ كما يذكر المؤرخ سيف الشملان ـ «كان يشاور أهل الكويت في المهم من الأمور ولا يقطع أمرا دون استشارتهم»- والحاكم الثاني عبدالله بن صباح بن جابر (1743 ـ 1813م) وصفه المؤرخ الشيخ يوسف بن عيسى بأنه «كان رجلا حازما- قريبا من الحق- محبا للعدالة- حسن السياسة- لا يبت في أمر إلا بعد مشاورة جماعته- ولا يخالفهم فيما يرونه صوابا» ويصفه سير «هارفرد جونز» (1793م) بأنه «كان رجلا مهيبا قوي الشخصية يكن له أهل المدينة أبلغ مشاعر الإجلال فقد كان لهم بمثابة أب لا حاكم».

وكتب مدحت باشا ـ والي بغداد الذي زار الكويت 1872م ـ أن والي البصرة نامق باشا أراد إلحاق الكويت بالبصرة فأبى أهلها ذلك لأنهم تعودوا عدم الإذعان للتكاليف والخضوع للحكومات ثم يقول «وشيخها اليوم اسمه عبدالله الصباح وأهلها شافعية وهم يديرون أمورهم بحسب الشرع الشريف ومنهم حاكمهم وقاضيهم وهم شبه جمهورية».

وعندما زار المقيم الإنجليزي في الخليج «لويس بللي» الكويت عام 1865م وصف الحاكم الشيخ صباح بأنه «يدير الأمور بروح الأب تجاه أبنائه- لا يأنف أن ينزل على حكم القاضي إذا خالف ما يذهب إليه. ومهما يكن من أمر فإن فرض العقوبات على السكان كان أمرا نادر الحدوث- والواقع أنك لا تجد تدخلا حكوميا في أي أمر من أمور الناس- والحكومة لا تجد نفسها بحاجة إلى أن تتخذ مثل هذه المواقف من الأفراد». ويعزز هذه الإشارات التاريخية إلى طبيعة العلاقة الديمقراطية الخاصة بين الكويتيين وحكامهم ويوثقها ما ورد في تقارير الرحالين الذين زاروا الكويت والخرائط التي ظهرت فيها الكويت خلال تلك الفترات التاريخية- فقد حرص بعض الجغرافيين على أن يسجلوا هذه العلاقة المتميزة التي أدركوها في خرائطهم فاستخدموا اسم «جمهورية الكويت» للدلالة على طبيعة النظام السياسي لهذا المجتمع - ونجد هذه التسمية في الخريطة التي رسمهاالعالم الألماني «كارل ريتر» للجزيرة العربية عام 1818م- كما أن هذه التسمية نفسها في خريطةالعالم الإنجليزي الكسندر «جونستون» الذي يعد من أبرز الجغرافيين الإنجليز في النصف الأول من القرن التاسع عشر وذلك في الأطلس الكبير الذي صدر في أدنبره عام 1874م.

وقد تواصل هذا النهج من المحبة والمشاورة وتبادل الرأي والاحترام والثقة بين الحاكمين والمحكومين فقامت ــ في مراحل تالية ــ على أساسه الحياة الدستورية في مجتمع الكويت- فكانت الكويت هي السباقة في المنطقة منذ عام 1921م لإقامة مجلس شورى- وتواصلت الجهود منذ الاستقلال إلى اتخاذ الدستور والحياة البرلمانية منهجا- وتعزز ذلك في ممارسة هذا الإرث أسلوب حياة- فنجد الحاكم يشارك إخوانه المواطنين في مناسباتهم الاجتماعية المختلفة يزورهم في أفراحهم مهنئا- وفي أتراحهم معزيا- وهم يدخلون عليه في مجالسه في كل وقت صغيرهم وكبيرهم على طريقتهم الأولى منذ نشأة الكويت. وتظهر هذه الروح ـ روح التشاور وتبادل الرأي والالتقاء على قلب رجل واحد ـ في الملمات والشدائد- فتلتحم بها الأمة في صلابة وتماسك- وهو ما حدث في مواجهة العدوان العراقي- حيث أعلن الكويتيون الذين اجتمعوا في المؤتمر الشعبي (جدة- أكتوبر 1990م) خلال فترة العدوان العراقي أنهم لا يقبلون بغير الشرعية واستمرار النهج الذي اختاروه لحكمهم منذ نشأة الكويت بديلا- وقد أذهلت هذه الظاهرة الفريدة العالم حيث لم يجد المعتدي المحتل ـ ممن تصور أنهم معارضون ـ من يقبل بغير الشرعية- فانهارت كل حججه التي زيفها للعدوان)

وقد أثبت هذا الاختبار المصيري لنظام الشورى والديمقراطية في الكويت أصالته وعمق جذوره وقدرته ــ بما رسخ فيه من قيم وما اكتسبه من مرونة ــ على استيعاب التنوع والثقافات والآراء والمصالح في إطار من الوحدة والتكامل- وفي مناخ من الود والتسامح والشورى وسيادة القانون. وقد شجع مناخ الحرية واتساع قاعدة المشاركة المبادرات الشعبية التطوعية لبذل الجهود في مناحي التنمية الاجتماعية المختلفة- فقامت في مجتمع الكويت المحدود السكان خمس وخمسون جمعية نفع عام تقدم الخدمات التطوعية والمشورة في شتى نواحي الحياة في المجتمع.

وانطلقت فى رحاب هذه المشاركة جميع الطاقات لتحقيق التنمية الاجتماعية الشاملة- وارتفعت ثمرة لذلك كله القيمة النسبية للإنسانباعتباره محورالهذه التنمية وهدفا نهائيا لها.

وقد تبلورت هذه الممارسات الديمقراطية التي قام عليها مجتمع الكويت في صيغة دستورية ديمقراطية حديثة تفصل بين السلطات الثلاث- وتضع الضوابط لضمان المشاركة الشعبية الواسعة في أمور الحكم والرقابة على السلطة التنفيذية- وضمان الحريات الأساسية للمواطنين وتحديد الأدوار والمهام بما يضمن التوازن بين هذه السلطات حين أتيحت لها الفرصة بعد إعلان استقلال الكويت عن الحماية البريطانية عام 1961م- وكان التنادي بذلك نابعا من الأمة والحاكم في وقت واحد- فبعد شهور قليلة من الاستقلال أمرالشيخ عبدالله السالم حاكم الكويت بتشكيل لجنة شعبية لوضع مسودة دستور حديث للكويت المستقل- وبعد تشكيل اللجنة بشهرين بدأت الانتخابات العامة لاختيار أعضاء مجلس الأمة الأول في البلاد- وأعيد تنظيم الإدارات الحكومية لتتمكن من تنفيذ حركة التنمية الشاملة وخططها- وتم اختيار أغلب أعضاء الوزارة من الأعضاء المنتخبين لمجلس الأمة الذي يتكون من خمسين عضوا- والذي يملك بموجب الدستور كافة صلاحيات رسم السياسات والتشريع والرقابة على السلطة التنفيذية. وازدهرت الصحافة لتصل إلى (5) صحف يومية تمثل كافة الاتجاهات بالإضافة إلى صحيفتين تصدران بالإنجليزية و(61) مجلة سياسية وثقافية ومتخصصة.

وقد تآزرت هذه العوامل جميعها: النشأة والجذور- والتحديات والصمود- وثبات الحكم واستقراره وانفتاحه على قيام صيغة من الممارسة الديمقراطية نابعة من تجربة هذا الوطن لا تقوم على التحزب وشهوة الحكم والانغلاق داخل توجه الحزب- بل تتنوع فيها الآراء والتوجهات- وتمارس في إطارها بانطلاق حريات التعبير- وكان التوجه والاختيار فيها نابعا من الاقتناع الذاتي بما يخدم مصلحة الوطن- ويتفق والقيم الأساسية لمجتمع الكويت دون أن يتجاوز الخلاف حاجز المحبة والتعاون- أو يقيم تعصبا لا يقبل الحوار أو يحول دون تغيير التوجه إذا تبين دليل جديد مما يفتح القنوات ويقيم الجسور بين مختلف التوجهات للتعاون والعمل المشترك.

وقد سجل الباحثون في العلوم السياسية المتابعون لتجربة الكويت الديمقراطية أمثال Crystal (1981) وHudson (1979) وBoz (1982) وIsmail (1986) في كتاباتهم رؤيتهم لهذه التجربة- واتفقت كتاباتهم على «أن مجلس الأمة في الكويت قد نجح إلى حد كبير في تحمل مسؤوليته الاجتماعية- وأظهر مقدرة فذة في العمل كمؤسسة تشريعية حقيقية أفرزت للمجتمع الكويتي غالبية المؤسسات والآليات السياسية التي لعبت الدور الرئيسي في رحلة التطور التي شهدتها الكويت».

آل الصباح: حكام الكويت

ينتمي آل الصباح حكام الكويت إلى قبيلة عنزة العربية وترجع أصولها إلى الهدار بمنطقة الأفلاج من إقليم نجد. وهي من أكبر قبائل العرب وأشهرها- وتنقسم عنزة إلى أفخاذ عديدة منها جَميِلَة التي تنقسم إلى فروع منها آل الصباح.

وقد هاجر آل الصباح وأبناء عمومتهم آل خليفة وكذلك الجلاهمة على دفعات مرتحلين شمالا بحثا عن ظروف أكثر ملاءمة لمعيشتهم فنزلوا بعدد من بلدان الخليج بعد تجوال دام فترة فيها يقدرها البعض بخمسين عاما قبل أن يستقروا نهائيا في الكويت.

ويرجع البعض هذه الهجرة إلى موجة القحط الكبير الذي ألم بالجزيرة العربية في القرن السابع عشر الميلادي- ويرجعه آخرون إلى خلافات نشبت بين عشائر هذه القبائل وإن كان المعروف أن هجرة القبائل والعشائر إلى مواطن أخرى كان سمة من سمات الحياة القبلية في المجتمعات الصحراوية عبر مختلف العصور .

وقد أطلق على هذه المجموعات المهاجرة وهي من قبائل مختلفة اسم العتوب- وأشار البعض إليهم باسم بني عتبة أو العتوبيين- ولكن الأرجح الذي تشير إليه أغلب المصادر أن لفظة العتوب مشتقة من الفعل الثلاثي عتب بمعنى انتقل وارتحل وغير مكانه ومن ثم فالعتوب ليست اسما لفخذ من قبيلة عنزة. واشتقاق أسماء القبائل من الأفعال وارد في منطقة شبه الجزيرة العربية فقبائل الظفير مجموعة قبائل تضافرت واتحدت- وعرب المنتفق عشائر اتحدت وعرفت بالمنتفق .

ونتيجة لتواصل استقرار المجتمع الجديد الذي نزله العتوب- وانطلاق نشاطاته في البر والبحر بدت الحاجة ملحة إلى وجود قيادة يرجع الناس إليها في أمورهم وتمتلك الشرعية والقدرة على حماية مصالحهم- والتعامل مع الجهات والمجتمعات المحيطة بهم فقامت تلك الأسر المهاجرة في الكويت بانتخاب رجل منهم من آل الصباح رأوه « أمثلهم عقلا- وأحسنهم سيرة ونباهة وأقربهم لاتباع الحق- حازم- محب للعدالة» فعهدوا إليه بالرئاسة ولكنه لم يقبل إلا بعد أن أخذ عليهم نفاذ حكمه على الشريف والوضيع وأخذ الحكم طابع الشورى فقد كان «شيخ الكويت يستشير قومه في كل ما يخص بلدته».

وبهذا الاختيار أصبح الحكم في الكويت منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا مستمرا في أسرة الصباح يتوارثه الأرشد الأكبر منهم.

وتختلف المصادر التاريخية حول تحديد تاريخ بداية حكم آل الصباح نتيجة لاختلافها حول تاريخ محدد لهجرة العتوب والفترة التي تجولوا فيها بالخليج والفترة التي انقضت بين نزولهم أرض الكويت واختيارهم آل الصباح حكاما.

ولكن وثائق الأرشيف البريطاني تشير إلى أن الحكم كان لآل الصباح عام 1716م(1) وهي عبارة لاتنكر أن هذا الحكم كان واقعا لفترة سابقة مما جعل دراسات حديثة تتبنى عام 1613م بداية حكم آل الصباح مستندة إلى مجموعة من المؤشرات والوثائق في كتابات المؤرخين مما ورد عن أن تأسيس الكويت كان عام 1613م- ومنها رسالة الشيخ مبارك الصباح التي تقرر أن أجداده نزلوا الكويت عام 1022هـ الموافق 1613م- وما أورده الكولونيل لويس بيلي في تقريره عام 1863م من أن آل الصباح حكموا الكويت من 250 سنة أي عام 1613م- وما تشير إليه مراجعة وثائق بعض المساجد في الكويت وتواريخ تعيين قضاتها.